الشيخ محمد رشيد رضا

11

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بشر هؤلاء المؤمنين المتبعين بأنهم يجزون على ايمانهم الجزاء الأوفى فلا يضيع اللّه أجرهم ، ولا يليتهم من ثباتهم على اتباع الرسول شيئا وهذا الذي قاله الامام ظاهر لكل من يفهم هذا السياق العجيب ومن عجيب شأن رواة أسباب النزول انهم يمزقون الطائفة الملتئمة من الكلام الإلهي ويجعلون القرآن عضين متفرقة ، بما يفككون الآيات ويفصلون بعضها من بعض ، وبما يفصلون بين الجمل الموثقة في الآية الواحدة فيجعلون لكل جملة سببا مستقلا كما يجعلون لكل آية من الآيات الواردة في مسألة واحدة سببا مستقلا . انظر هذه الآيات تجد إعجازها في بلاغة الأسلوب أن مهدت للأمر بتحويل القبلة ما يشعر به في ضمن حكاية شبهة المعترضين التي ستقع منهم ، وبتوهين هذه الشبهة باسنادها إلى السفهاء من الناس وإيرادها مجملة ، وبوصلها بالدليل على فسادها ، وبذكر هداية الصراط المستقيم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج ، ولا تفريط عند سالكيه ولا إفراط ، وبذكر مكانة هذه الأمة بدينها ، واعتدالها في جميع أمرها ، وببيان الحكمة في جعل القبلة الأولى قبلة ثم التحويل عنها ، وبالتلطف في الاخبار عما سيكون من ارتداد بعض من يدعون الايمان عن دينهم افتتانا بالتحويل ، وجهلا بالامر ، إذ أورد الخبر في سياق بيان الحكمة حتى لا يعظم وقعه على النبي والمؤمنين ، وببيان أن المسألة كبيرة على غير المنعم عليهم بالهداية الإلهية التي سبق ذكرها ، وهي الايمان الكامل بمعرفة دلائل المسائل وحكم الاحكام ، ثم بتبشير المؤمنين المهتدين الثابتين على اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بإثابة اللّه إياهم برأفته ورحمته ، وفضله وإحسانه - وبعد هذا كله أمره بالتحول أمرا صريحا كما سيأتي في تفسير بقية الآيات . أفيصح في مثل هذا السياق الموثق بعض جمله وآياته ببعض ان تفك وثقه ويجعل نتفانتفا ، ويقال إن كل جملة منه نزلت لحادثة حدثت ، أو كلمة قيلت ، وان أدى ذلك إلى قلب الوضع ، وجعل الأول آخرا والآخر أولا ، وجعل آيات التمهيد متأخرة في النزول عن آيات المقصد ؟ أتسمح لنا اللغة والدين ، بأن نجعل القرآن عضين ، لأجل روايات رويت وان قيل إن اسناد بعضها قوي بحسب ما عرف من تاريخ الراوين إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ هذه الجملة استئناف لبيان علة النفي في التي